فخر الدين الرازي
122
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
المسألة الأولى : بين في الآية الأولى رغبة المنافقين في التحاكم إلى الطاغوت ، وبين بهذه الآية نفرتهم عن التحاكم إلى الرسول صلى اللَّه عليه وسلم . وقال المفسرون : إنما صد المنافقون عن حكم الرسول عليه الصلاة والسلام لأنهم كانوا ظالمين ، وعلموا أنه لا يأخذ الرشا وانه لا يحكم إلا بمر الحكم ، وقيل : كان ذلك الصد لعداوتهم في الدين . المسألة الثانية : يصدون عنك صدودا ، أي يعرضون عنك ، وذكر المصدر للتأكيد والمبالغة كأنه قيل : صدودا أي صدود . [ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 62 إلى 63 ] فَكَيْفَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جاؤُكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنا إِلاَّ إِحْساناً وَتَوْفِيقاً ( 62 ) أُولئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً ( 63 ) [ في قوله تعالى فَكَيْفَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جاؤُكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنا إِلَّا إِحْساناً وَتَوْفِيقاً ] وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : اعلم أن في اتصال هذه الآية بما قبلها وجهين : الأول : أن قوله : فَكَيْفَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ كلام وقع في البين ، وما قبل هذه الآية متصل بما بعدها هكذا : وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل اللَّه وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا ثم جاؤوك يحلفون باللَّه إن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا ، يعني أنهم في أول الأمر يصدون عنك أشد الصدود ، ثم بعد ذلك يجيئونك ويحلفون باللَّه كذبا على أنهم ما أرادوا بذلك الصد إلا الإحسان والتوفيق ، وعلى هذا التقدير يكون النظم متصلا ، وتلك الآية وقعت في البين كالكلام الأجنبي ، وهذا يسمى اعتراضا ، وهو كقول الشاعر : إن الثمانين وبلغتها * قد أحوجت سمعي إلى ترجمان فقوله : وبلغتها ، كلام أجنبي وقع في البين ، إلا أن هذا الكلام الأجنبي شرطه أن يكون له من بعض الوجوه تعلق بذلك المقصود كما في هذا البيت ، فان قوله : بلغتها دعاء للمخاطب وتلطف في / القول معه ، والآية أيضا كذلك ، لأن أول الآية وآخرها في شرح قبائح المنافقين وفضائحهم وأنواع كيدهم ومكرهم ، فان الآية أخبرت بأنه تعالى حكى عنهم في أول الآية أنهم يتحاكمون إلى الطاغوت مع أنهم أمروا بالكفر به ، ويصدون عن الرسول مع أنهم أمروا بطاعته ، فذكر بعد هذا ما يدل على شدة الأحوال عليهم بسبب هذه الأعمال السيئة في الدنيا والآخرة فقال : فَكَيْفَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ أي فكيف حال تكل الشدة وحال تلك المصيبة ، فهذا تقرير هذا القول ، وهو قول الحسن البصري ، واختيار الواحدي من المتأخرين . الوجه الثاني : أنه كلام متصل بما قبله ، وتقريره انه تعالى لما حكى عنهم في الآية المتقدمة أنهم يتحاكمون إلى الطاغوت ، ويفرون من الرسول عليه الصلاة والسلام أشد الفرار دل ذلك على شدة نفرتهم من الحضور عند الرسول والقرب منه ، فلما ذكر ذلك قال : فَكَيْفَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ يعني إذا كانت نفرتهم من الحضور عند الرسول في أوقات السلامة هكذا ، فكيف يكون حالهم في شدة الغم والحسرة إذا